أخبار الاقتصاد

بمئات ملايين

يتوقع الموظف الفاسد كل أساليب الحرب، ويتحضر لكل تكتيكات الدفاع بمواجهة أصحاب الضمير ومن خلفهم رجال القانون، لكن أن تنقلب الآية لنشاهد الموظف الشريف يرفع صوته وحده ويطلب الإنصاف ويدفع الأذى عن نفسه، لأنه كشف قضية فساد، فهو أمر لا يصدقه عاقل ولا يتوقعه إنسان ولا نشاهده إلا في الدراما السورية ، وفي هذه القضية التي يضعها “هاشتاغ سوريا” تحت تصرّف أصحاب الضمائر الحية – وما أكثرهم رغم كل محاولات تهميشهم- لعلّ هناك من يضع حدّاً لهذا الاستنزاف الخطير في الموارد السورية، البشرية والمادية والتي أحوج ما نكون لها في ظرفنا الراهن وفي القادم من الأيام.

تتلخص القضية بأن الـ مفتشة في الهيئة المركزية وللرقابة والتفتيش أثلة الخطيب كشفت قضية تهريب تعيد مئات ملايين الليرات إلى خزينة الدولة، وبدلا من تكريمها ومكافأتها على أعمالها تم إصدار قرار بنقلها إلى وزارة التربية بحجة “عدم ملاءمتها للعمل التفتيشي”.

“هاشتاغ سوريا” بحث في تفاصيل وتاريخ القضية، وتابع حيثياتها وحصل على الوثائق من مصادره في الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، حيث يتبين أن القضية بدأت عندما كشفت الـ مفتشة الخطيب عملية تهريب كبائن شاحنات مستعملة “رؤوس قاطر” عبر مرفأ اللاذقية، والتي تعرضت إثرها لرفع الحصانة والتجميد، ثم الفصل من الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، ونقلها إلى وزارة التربية.

ويكشف مصدر في الهيئة لـ “هاشتاغ سوريا” أنه في شهر أيلول من عام ٢٠١٧ قامت رئيسة الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش آمنة الشماط بتكليف الـ مفتشة أثلة الخطيب بمهمة تفتيشية في مرفأ اللاذقية موضوعها تلاعب في الإجازات الجمركية”.

ويتابع “أثناء جولة الـ مفتشة في المرفأ اكتشفت عملية تهريب لرؤوس شاحنات مستعملة، فقامت بإعلام رئيسة الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش بما اكتشفته، وبعد أخذ موافقتها قامت بضبط الواقعة، علماً أنه يوجد مادة بقانون الهيئة يسمح للمفتش بضبط الحالة حتى من دون الرجوع لرئيس الهيئة”.

ويضيف المصدر أنه “عند عودة الـ مفتشة إلى دمشق أنّبتها رئيسة الهيئة بسبب “الموقف الحرج الذي وضعتها فيه على حد قولها، حيث اتصل بها العديد من المسؤولين على خلفية القضية، لأن البضاعة تخص أحد أقارب مدير عام الجمارك”.

وتابع المصدر ” بعد الاجتماع مع المعاونين والقانونيين في الهيئة تقرر أن ما كشفته الـ مفتشة يعيد للخزينة أموالا طائلة تقدر بمئات ملايين الليرات السورية، فتم تشكيل بعثة للتحقيق بالموضوع وكانت الـ مفتشة أثلة أحد أعضائها” .

ويشير المصدر إلى مهمة البعثة بحسب قرار تشكيلها وهو “التدقيق والتحقيق في البيانات الجمركية التي تم بموجبها تخليص غرف قيادة لسيارات شاحنة مستعملة، وهي عبارة عن كبائن شاحنات بكامل تجهيزاتها، ولكنها ذات وصف مختلف تماما، مما يشير إلى مخالفة جسيمة تعتبر بحكم الاستيراد تهريباً، ما يفوّت أموالاً طائلة على الخزينة العامة للدولة”.

وأردف المصدر” في ذات الوقت قدم مدير عام الجمارك شكوى بحق المفتشة أثلة الخطيب بتهمة الشتم أمام موظفيه عندما كانت بالمرفأ، فقامت رئيسة الهيئة مباشرة بتقديم كتاب لرئيس مجلس الوزراء عماد خميس، يتضمن مقترحا بصرف المفتشة من الخدمة بشكل غير قانوني” .

إلا أن رئيس الحكومة لم يوافق على مقترح صرفها من الخدمة، لأنه لم يتم إجراء تحقيق قانوني في القضية، وطُلب من المفتشة اختيار وزارة لنقلها إليها، فرفضت متمسكةً بعدم قانونية الإجراء، ولأن واقعة الشتم غير صحيحة، إضافة إلى أنه ليس جرما شائنا يستوجب الصرف من الخدمة أو النقل بسببه، فالمفتش لا يعيبه إلا نظافة يده”.

وأضاف المصدر “أعاد خميس الكتاب لرئيسة الهيئة على أن يتم الموضوع بشكل قانوني، فقامت رئيسة الهيئة بطي اسم المفتشة من البعثة التفتيشية واستبدلتها بمفتش آخر اسمه حسين الرفاعي، وبعد عدة أشهر رفعت الحصانة عن المفتشة، وأحالتها الى المجلس الأعلى للتحقيق معها بشكوى مدير عام الجمارك” وهكذا تم تجميد المفتشة التي اكتشفت قضية التهريب، وأوقفت عن العمل لأكثر من عام دون سبب، وتوقف الحديث عن التحقيق في قضية التهريب إلى أن عادت رئيسة الهيئة وحرّكت الموضوع من جديد، وقامت بتشكيل بعثة تفتيشية، و لكن للتحقيق مع المفتشة بدلا من التحقيق مع المسؤولين عن عمليات التهريب المستمرة منذ 10 سنوات.

ويتابع المصدر أنه “بالتحقيق مع المفتشة أثلة الخطيب ظهر أنها بريئة من تهمة السب والشتم بحق مدير الجمارك، وتبين بالدليل أن الشاهدَين في القضية هما مخلّصين جمركييَن حلفا يمينا كاذبة، فطالبت المفتشة برفع دعوى على الشاهدين لحلفانهما يمينا كاذبة”.

وبحسب المصدر الخاص فإنه “بعد ظهور براءة المفتشة من تهمة الشتم، قامت بعثة التفتيش بإلصاق تهم أغرب من الخيال وبعيدة عن المنطق والعقل بالمفتشة وهي: “اتهامها بأنها وتّرت موظفي الجمارك، وبأنها تلقت اتصالا هاتفيا يخبرها عن موضوع التهريب، وبأنها جلست مع مخلص جمركي في مطعم”. ويتابع المصدر “هي تهم لا تحصل إلا في بلاد العجائب، فما ذنب المفتشة إذا توتّر الموظفون بعد ضبط عملية تهريب في أمانة جمارك المرفأ، وهل كان من المفروض أن تهمل اتصال مخبرٍ يدلها على واقعة فساد وتخريب اقتصادي علما أنها نفت تلقي هذا الاتصال ؟”.
ويضيف المصدر “ما علاقة القضية بجلوس المفتشة في مطعم مع صديقها، فالمخلّص المذكور هو صديق العائلة وزوج صديقتها”.

بتاريخ 6 – 3 – 2019 تم استدعاء المفتشة أثلة الخطيب للمحاكمة السرية أمام المجلس الأعلى للهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، ووُجهت إليها الاتهامات الثلاث، ودافعت عن نفسها وفق المواد القانونية، إلا أن رئيسة الهيئة لم تبلغ المفتشة بنتيجة المحاكمة وفق قانون الهيئة ووفق قانون أصول المحاكمات، فطلبوا منها الذهاب إلى مكتبها فاعتقدت أنهم سيحفظون الموضوع لتتفاجأ بأن رئيسة الهيئة رفعت لرئيس مجلس الوزراء مقترحا بنقلها خارج الهيئة، فهل يعقل أن يتم نقل المفتشة التي اكتشفت الفساد خارج الهيئة وبهذه الاتهامات غير الحقيقية وغير المنطقية ؟

المفتشة أثلة الخطيب قدمت معروضاً إلى مجلس الشعب، ونشرته على صفحتها في “فيسبوك” تقول فيه إن “رئيس مجلس الوزراء لم يبت بالموضوع، ولم يحول الكتاب إلى المديرية القانونية برئاسة مجلس الوزراء لأخذ الرأي القانوني بمقترح النقل إلى وزارة التربية، فقامت رئيسة الهيئة بممارسة الضغوط ليتم توقيع قرار النقل بتاريخ 17- 3 – 2019” كما ذكرت في منشورها.
وتضيف المفتشة الخطيب في معروضها لمجلس الشعب : “أمام هذا الظلم رفعتُ دعوى أمام محكمة النقض لأطعن بقرار المجلس الأعلى للهيئة وفق القانون، لأتفاجأ بأن وزير العدل هشام الشعار قام بالضغط على رئيس محكمة النقض للمرة الثانية لتغيير وجه العدالة” .

إلا أن رئيس محكمة النقض استمر بالدعوى، فأرسل كتاباً لرئيسة الهيئة لجلب ملف القضية، إلا أنها لم تستجب، فقامت المفتشة الخطيب بتسطير إنذار لها خلال مهلة ثلاثة ايام وتبلغت الإنذار بتاريخ 3- 4 – 2019 .
يقول مصدر في الهيئة ل”هاشتاغ سوريا” إنه “بعد انقضاء المهلة القانونية رفعت المفتشة دعوى لمحاكمة رئيسة الهيئة، إلا ان المحامي العام قال بأنه يجب توجيه الدعوى إلى رئيس محكمة النقض الذي أشار بأن آمنة الشماط حاليا هي بمرتبة وزير وفق القانون “. وأضاف ” بهذه الحالة لا بد من إذن دستوري يوجّه إلى السيد رئيس الجمهورية عن طريق وزير العدل، إلا أن وزير العدل من المستحيل أن يقوم بهذا الأمر لأنه متضامن مع رئيسة الهيئة”.

وهكذا بقي أمر المفتشة معلقاً، وأصبحت حاليا بلا عمل ولا راتب مع إحساس كبير بالظلم من الجهات التي يجب أن ترفع الظلم عنها وتكرّمها بعد الأعمال التي قامت بها لخدمة مؤسستها ووطنها، فهل هكذا يكرّم الموظف الشريف وهل هكذا يحارب الفساد؟.
سؤال سيبقى معلقاً حتى يعود الحق لأصحابه، ويتم التحقيق مع المتهم الحقيقي بالفساد، وليس مع من قام بواجبه بكشف هذا الفساد!.

المصدر: هاشتاغ سيريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. من كام يوم نشرتم مقالا تشيدون فيه بنزاهة واستقامة رئيسة الهيئة، وها هي في هذا المقال تقف إلى جانب الباطل ضد الحق، فمن نصدق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق